سيد قطب

1194

في ظلال القرآن

ومن هذا التتابع ، وهذا الربط ، وهذا التوكيد ، تتمثل طبيعة نظرة الإسلام لقضية التشريع والحاكمية ، في شؤون الحياة اليومية . . « أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً ، وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا ، وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ » . . إنه سؤال على لسان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - للاستنكار . استنكار أن يبتغي حكما غير اللّه في شأن من الشؤون على الإطلاق . وتقرير لجهة الحاكمية في الأمر كله ، وإفرادها بهذا الحق الذي لا جدال فيه . ونفي أن يكون هناك أحد غير اللّه يجوز أن يتجه إليه طالبا حكمه في أمر الحياة كله : « أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً ؟ » . . ثم . . تفصيل لهذا الإنكار ، وللملابسات التي تجعل تحكيم غير اللّه شيئا مستنكرا غريبا . . إن اللّه لم يترك شيئا غامضا ؛ ولم يجعل العباد محتاجين إلى مصدر آخر ، يحكمونه في ما يعرض لهم من مشكلات الحياة : « وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا » . . لقد نزل هذا الكتاب ليحكم بالعدل بين الناس فيما اختلفوا فيه ، ولتتمثل فيه حاكمية اللّه وألوهيته . ثم لقد نزل هذا الكتاب مفصلا ، محتويا على المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحياة جملة . كما أنه تضمن أحكاما تفصيلية في المسائل التي يريد اللّه تثبيتها في المجتمع الإنساني مهما اختلفت مستوياته الاقتصادية والعلمية والواقعية جملة . . وبهذا وذلك كان في هذا الكتاب غناء عن تحكيم غير اللّه في شأن من شؤون الحياة . . هذا ما يقرره اللّه - سبحانه - عن كتابه . فمن شاء أن يقول : إن البشرية في طور من أطوارها لا تجد في هذا الكتاب حاجتها فليقل . . ولكن ليقل معه . . إنه - والعياذ باللّه - كافر بهذا الدين ، مكذب بقول رب العالمين ! ثم إن هناك من حولهم ملابسة أخرى تجعل ابتغاء غير اللّه حكما في شأن من الشؤون أمرا مستنكرا غريبا . . إن الذين أوتوا الكتاب من قبل يعلمون أن هذا الكتاب منزل من عند اللّه ، وهم أعرف بالكتاب لأنهم من أهل الكتاب : « وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ » . . ولقد كانت هذه ملابسة حاضرة في مكة وفي الجزيرة ، يخاطب اللّه بها المشركين . . سواء أقر أهل الكتاب بها وجهروا - كما وقع من بعضهم ممن شرح اللّه صدره للإسلام - أو كتموها وجحدوها - كما وقع من بعضهم - فالأمر في الحالين واحد ؛ وهو إخبار اللّه سبحانه - وخبره هو الصدق - أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربه بالحق . . فالحق محتواه ؛ كما أن الحق متلبس بتنزيله من اللّه . . وما يزال أهل الكتاب يعلمون أن هذا الكتاب منزل من اللّه بالحق . وما يزالون يعلمون أن قوة هذا الدين إنما تنبثق من هذا الحق الذي يتلبس به ، ومن هذا الحق الذي يحتويه . وما يزالون - من أجل علمهم بهذا كله - يحاربون هذا الدين ، ويحاربون هذا الكتاب ، حربا لا تهدأ . . وأشد هذه الحرب وأنكاها ، هو تحويل الحاكمية عن شريعة هذا الكتاب ؛ إلى شرائع كتب أخرى من صنع البشر . وجعل غير اللّه حكما ، حتى لا تقوم لكتاب اللّه قائمة ، ولا يصبح لدين اللّه وجود . وإقامة ألوهيات أخرى في البلاد التي كانت الألوهية فيها للّه وحده ؛ يوم كانت تحكمها شريعة اللّه التي في كتابه ؛ ولا تشاركها شريعة أخرى ، ولا يوجد إلى جوار كتاب اللّه كتب أخرى ، تستمد منها أوضاع المجتمع ، وأصول التشريعات ، ويرجع إليها ويستشهد بفقراتها